السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

59

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

وهذا من باب نقل الاسم من المسبب إلى السبب ، قال قطرب تقول العرب أظلم الليل وأبصر النّهار بمعنى صار ذا ظلمة وذا ضياء « إِنَّ فِي ذلِكَ » السكون ليلا والاشتغال نهارا « لَآياتٍ » من آيات اللّه الكثيرة الدالة على انفراده بالإلهية واستحقاقه وحده للعبادة وعبرة « لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ 67 » سماع قبول واعتبار وتدبر وتذكر لينتفعوا بها ويتعظوا فينتبهوا وينتهوا عما يقولون « قالُوا » أولئك المشركون بعد هذه الدلائل المبرهنة على التوحيد « اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً » من الملائكة وسموها بنات اللّه ، تعالى عن ذلك ، وهذا فضلا عن وصمهم عزّته بالشريك من الأوثان وقد خصوا الإله بالبنات وهم لا يرضونهن لأنفسهم « سُبْحانَهُ » تنزه عن ذلك وتبرأ من أن يكون له ولد « هُوَ الْغَنِيُّ » عن جميع خلقه ، والولد إنما يتخذ للحاجة ليتقوى به على غيره ، ويستعين به لحوائجه ، ويستعز به لذله ، ويتشرف به لهوانه ، ويتلذذ به لشهوته ، وكلّ ذلك من أمارات الحدوث وهي عليه محال ، وهو منزه عن ذلك كله ، وكيف يتخذ ولدا وهو « لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ » ملكا وعبيدا ، والكل في تصرفه وهو خالقهم ومحدثهم من العدم ، وهم محتاجون إليه في كل أمورهم مع غناه عنهم ، ولما نزه جلّ شأنه نفسه المقدسة عن الولد عطف على من قال ذلك بالإنكار والتوبيخ والتقريع فقال عز قوله نافيا صحة ذلك « إِنْ عِنْدَكُمْ » أيها المفترون « مِنْ سُلْطانٍ بِهذا » الذي اختلقتموه أي ما عندكم عليه حجة ولا برهان به البتة ، ثم تابع بالإنكار عليهم بقوله « أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ 68 » حقيقته وتضيفون إليه ما لا صحة له ، وهو المبرأ من كل نقص المنزه عن كل شريك فكيف تجوزون نسبة ما لا تجوز نسبته إليه تعالى ، وهذا جهل مركب منكم أيها لمختلقون لا يستند إلى برهان ، ولا يعتمد على دليل ولا مادة ، فيا أكرم الرسل « قُلْ » لأمثال هؤلاء « إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ » ويقولون عليه الباطل وينسبونه إلى ما لا يليق بجنابه « لا يُفْلِحُونَ 69 » في الدنيا أبدا ، ولا ينجون من عذاب الآخرة ، وعذاب القبر ، ولا يفوزون بريح الجنة ، ولا يسعدون السعادة الطيبة وإن اغتروا بطول العمر والسلامة من الأمراض في الدنيا والبقاء بنعيمها الزائل والتمتع بعلو